المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رجل شعارات



ماجد الحويطي
08-05-2005, 01:08 PM
رجل شعارات

(جاء الليل يتمايل في رقصة زنجية فغوت و نمت و لا أدري متى إستيغظت )


، وكان يتحدث عن كلمات لا أفقه لها معناً سوى أنها شعارات ( الحرية ، النضال و الوطن ) .
حينها و ربما حتى الآن لم أحاول إقحام نفسي في التفكير عميقاً في كنه كلماته ، كنت أفسر كلماته كل على حداً فالحرية بالنسبة لي أن أرتدي و آكل و أقرأ ما أحب أما النضال فلم يكن سوى أن أستطيع مسابقة عقارب الساعة لأتمكن من حضور المحاضرة الصباحية الأولى أما الوطن فهي الكلمة الوحيدة التي لم أجد لها تفسيراً أبداً فارتباطي كان و لا يزال بالأفراد و ليس المكان إذ سرعان ما يعتريني الشوق لو ابتعدت عن أفراد أحبهم
ذلك الرجل الذي بمضي الوقت عرفت أنه مستعد ليُدفن بين كتب لينين و ماركس و برغم ذلك كانت له بعض الهوايات المدفونة فهو يقرأ لبودلير ( بصمت ) ويمتلك أسطوانات ل ستراوس التي ورثها بالصدفة عن أمه بل أنه يؤطر صفحة منزله بلوحة طبيعة Nature ل لورانس
ماذا عنه أيضاً ..........
كان يتحدث معي كثيراً عن تلك الكلمات الثلاهنالك بعض الأشخاص الذين يتشكلون مع فصول السنة ، فهم باردين شتاءاً ، دافئين صيفاً ، حنونين ربيعاً ، جافين خريفاً فهم أشبه بالحرباء منهم بالبشر
و هاهو رجلي الأنيق أحد هؤلاء الموسميين يختال كما يشاء ، و كما يتناسب تواجده الزماني و المكاني ، ولا أجده سوى مختالاً بشعارات زمانه الذي يتشكل منه عالمه
هو أحد هؤلاء الرجال القلائل الذين تركوا في دواخلي الكثير
حينما تعرفت عليه كنت أجده بربري و هذا أنسب ما يوصف به فهو رجل يختال دائماً بأنه لا يحلق شعره على الموضة و لا يرتدي بنطالات و قمصان بديباجات عالمية بل يحمل في دواخله شئ قوي ، في عينيه ، في شعره الغير مصفف في ابتسامته الساخرة و كلماته الغريبة ث باستفاضة و عمق محاولاً إقحامي في عالمه الصارخ الهلامي ويزيد على شعاراته ، شعار الوحدة و المساواة وووووو .......
كنت أميل إلى سماعه ، كان يمتلك حساً حوارياً رائعاً ، و يدير دفة الحديث بطريقة جذابة سواء كان مجادلاً أو محاوراً و أحياناً يحارب ك دون كيشوت ليعلن انتصاره الخفي أو مقدرته على النصر
كنت مسحورة به ، لم يكن الكلام في فحواه يعنيني ، بل كنت منبهرة به حد الاندهاش إذ كنت أعده بطلاً لأوهامي
في إحدى المرات كنت ضجرة جداً ، كان يومي سيئاً و لم أكن في حالة تسمح لي سوى بفش خلقي على أول من أجد .....
كنت أعاني ارتياب كبير في مشاعري ، و أتعثر في دراستي ، كما أعاني من ورطة عدم الاتفاق مع والدتي و أزداد الطين بلة عندما أصبحت أسأم من حواراته الجامدة و الغريب في الأمر لأنني ابتدأت أشعر باختلاجه في دواخلي لا أدري لها حلاً
و بمجرد أن رأيته شعرت بنفاثات غضبي تهدد بالخروج ، فبادلت ابتسامته بجحود الرد ، حذرته من مغبة مواصلة السير معي و محاولة البدء في أي حديث ، و لكنه استهزأ بغضبي و لم يكن ملاماً ، فحالتي في ذلك اليوم لم تتكرر ....
كان انفجاري كالقنبلة بعد نزع صمام الآمان ، فبمجرد أن بدأ قائلاًُ : البارحة ، طرأت علي فكرة ستجعل من حلمي الوطني حقيقة ....
: كفى صرختها بحدة ... اندهش ، و نظر لي باستغراب كررت الكلمة باندفاع و غضب أكثر : كفى ألا تجيد حديثاً آخر غير وطنك و حريتك ( وذهبت لأتركه بين اندهاشه ) ...
لم ألاقيه بعدها لأيام ..
و حينما التقينا كان شخصاُ آخر ، طلب مني مشاركته العشاء
قبلت دعوته ، أخبرني على العشاء بأنه افتقدني جداً و أنه شعر بمدى أهميتي في حياته ، و أنه اكتشف أِشياء لم يكن متنبهاً لها : أن قراءة الشعر بصوت أجمل و أنه لم يكن يعرف مدى أهمية اسطوانات ستراوس سوى الآن فقط ، فقد تعامل معها كذكرى مخلدة فقط و ليس كقيمة فنية طلب مني مشاركته الرقص على تانغو رائع
بعد أن رقصنا ، دارت دفة الحديث عن أشياء أخرى ( الحب و الوفاء وو ....... و ربما ألمح إلى الزواج
و كانت هذه شعارات جديدة و كعادتي لم أفقه عن كلماته الكثير و لم أكن أرى أبعد من نظر عيني
تدريجيا أصبح قلبي يدق بعنف ، و أصبحت أٌذناي أشد لهفاً على رنة هاتف الساعة صباحاً ، و أصبحت أشد رغبة في الارتماء بين ذراعيه ..و لم يكن أقل مني اندفاعا بل ربما كان أعنف
بعد سنوات ..... كان هناك ( زوج و طفل و أم .......... ) .
لم تكن هذه الكلمات تعني سوى رجلاً آخر ، وأم أنا هي و طفل له من العمر ثلاث السنوات
إلتقيته في كافيه في أحد الأسواق بالصدفة ، كانت برفقته امرأة شقراء ( بلوند ) .......
ابتسم بعذوبة حينما رآني و عرفني على الشقراء ، على إنها صديقة تدرس ال الألسن في بلادنا و كعادته كرجال زماننا الملونين تحدث و تحدث و لم يسكت ، لم أمٍله أيضاً فطالما كانت لثرثرته سحرها تحدث عن شعارات القرن الواحد و العشرين ليس كمتحدث بل كمنادي ل ( البترول ، أمريكا ، الهجرة ، أحدث موديلات السيارات ووووو )

رجل غريب يسير مع التيار في كل اتجاه و كما قلت : ترك في دواخلي الكثير ...منـــقول

جراح
09-05-2005, 04:24 PM
يعطيك العافية يا أخوي الفاضل .. الحويطي ..


لا هنت على هذا النقل الطيب يا طيب ..


تقبل تحياتي ..

ماجد الحويطي
10-05-2005, 01:05 PM
..يعطيك العافيه..على المرور..

..وإن شاء الله تكون أعجبتكم..

..سلامي.............للدمع..