ملكة الورد
11-12-2009, 02:24 PM
http://www.alittihad.ae/assets/images/Thaqafi/2009/12/10/320x240/1a-na-31780.jpg
شعراء سعوديون يخونون أمكنتهم
آخر تحديث: الأربعاء 09 ديسمبر 2009 الساعة 09:33PM بتوقيت الإمارات
محمد خضر
الخيانة.. تهمة قد تجد لها سياقا في عوالم السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، قد تودي بمرتكبها إلى حبل المشنقة. أما في عالم الأدب والشعر على وجه الخصوص، فإن للخيانة سياقاتها الثقافية التي تبرر نفسها وتحرض عليها. شعراء الحداثة السعوديون يرتكبون، منذ نشوء الظاهرة الحداثية في المملكة، أفعالا خيانية متواصلة مع أمكنتهم الأولى، وملاذاتهم البديلة. لقد خانوا أولا قراهم التي نبتوا في فضاءاتها الجغرافية وأطيافها المزاجية، ثم راحوا يخونون المدن التي احتضنتهم، وإن كانوا يغلفون تلك الخيانات دائما بمراث موجعة للأمكنة الأولى والثانية. فما الذي يريده الشاعر السعودي من المكان؟ هل يقبل بمجرد الاندماج في فضاءاته، أم أن تمرده يبدأ مكن نقطة الانتفاضة عن المكان؟
ثمة عوالم وأسئلة مشتركة تجمع الشعراء اليوم في فضاءاتهم. تلك العوالم أو الظواهر يتجول فيها المبدع ويكتبها ضمن اليومي والفلسفي والروحي بل وأحيانا فيما يشبه البوح الشعري الخام عن الحب والأسئلة الإنسانية الكبرى والقضايا المصيرية، متكئا على لغة وصورة تلامس واقعه المعاش وتقترب منه خصوصا في ظل تغير المفاهيم التقليدية للكتابة الشعرية. ولعل من أبرز تلك القضايا التي طرحها الشعراء هي المدينة بكل معطياتها لشاعر يبحث فيها عن مأوى لتلك اللغة الإبداعية المتماسة عادة مع معطيات الطبيعة الجميلة والتي تحظى بها القرية أكثر. هكذا هو الشاعر الذي يشبه العالم بأسئلته المتشابكة والصعبة.. الشاعر في توقه المستمر إلى هسهسة الشجر، وغناء الطبيعة الحر، وإلى احساسه باتحاد الأشياء من حوله.. خصوصا أولئك الشعراء الذين قدر لهم أن يعيشوا في المناخين كليهما مناخ القرية ـ المرتبط في المفاهيم بصلة وثيقة بالشعر ـ ومناخ المدينة الجديد والذي قد يدخل الشاعر في دوامة من الملاحظات والمقارنات، وما يتسلل إليه من لغة تجعل الشعر مختلفا، باعتبار الشعر ذلك كائنا حيويا متغيرا ومتأثرا بالمكان وطقوسه..
ثقب صغير
هاهو الشاعر السعودي محمد الحرز في قصيدته “مدن” يتأمل ويتساءل وضمن مناخ المدن جميعها يقول: “وأنت تعبر الفضاء من مدينة إلى أخرى/ من بغداد إلى دمشق/ أو بيروت إلى القاهرة/ تحتاج إلى ثقب صغير/ لاأحد يلمحه غيرك/ ولاتزحف إليه كآبة الأرض/ مثل دودة/ ولايسير إليه المسافرون بأذقانهم الحليقة بتأنق ودقة”. ثم يدخل بنا الحرز في تفاصيل هذه المدن وفي رؤيته الخاصة وهو يقول: “هناك مدن حول العالم لاتصغي إلى زوارها”.
ولدى أحمد كتوعة الشاعر السعودي نلمح مقاطع أخرى من أجواء المدينة وانعكاسها وربما دون تفاصيل.. نلمح مفردة المدينة في مكان آخر ومألوف لدى الشاعر لكنها المفردة التي لابد منها كي تتميز الأمكنة عن بعضها، وكي يستمر السؤال الشعري: “أربعة سيقان كأنها المتاهة/ كمماسح مبللة برذاذ الصيف عقمت الأرصفة/ والواجهات/ لامعة هاهي المدينة”. ولعل مفردة المدينة بحد ذاتها أخذت لدى كل شاعر أهمية خاصة، تختلف من شاعر إلى آخر، فنحن نعثر على مايدل على المدينة لكن دلالة المفردة نفسها قد تؤول إلى التعبير عن الدهشة خصوصا إذا ما كانت المدينة هي الوجه الآخر للقرية عند الشعراء الذين جاؤوا من مراتعها.. فنجد لدى عبدالرحمن الشهري الشاعر السعودي في قصيدة “لم يصادق على مائه”: “كان ليل المدينة/ أحلك من حدق الناظرين إلى البحر/ كان.. كقطرة ماء على فم صحراء/ لاشيء يروي ..”، وهو يصل بنا في نصوصه أيضا إلى ذاكرته الطفولية التي حملت طفل القرية النابه بما حوله.. فها هو يتذكر بيت الحمام والشجر والرغيف والأم وحديث الجدات، ثم مايلبث أن يعود للسيارات والأرصفة فيقول في مقطع آخر: “غادر المرجفون.. فأطلق سحنته في عراء المدينة”. إنها صورة خاصة بالشاعر لأنه يلتقط المدينة في عرائها ذلك العراء الذي قد يغلب على الصحراء وعلى البادية أو القرية أكثر.. لكنه حتما عراء المدينة بقسوتها أحيانا على الروح الشاعرة..
أحلام أخرى
ولعل صورة المدينة لدى الشاعر السعودي الحديث تشكلت في العديد من الرؤى ومن المقولات للبحث في انعكاسها لدى الشاعر، ولسبب آخر جغرافي يختص بتنوع الأمكنة واختلاف ثقافتها بين ماهو ساحلي وريفي وبدوي ومدني لايكف عن الاستمرار في تقدمه نحو الجديد. كل هذا بالاضافة إلى أن كل مكان له خصوصيته اللغوية والثقافية. فها هو الشاعر عبدالله ثابت يحكي عن أحلام أخرى في بال الشعراء: “حلموا بالمراقص/ المدن التي ترطب الجسد” وفي مقطع آخر جدلية المدينة والقرية: “تتمدد السماء.. تغتسل المدينة/ والقرايا تلملم البسطاء على الرمل/ يحتفلون حين تبتكر أنثى”. أو في نص كامل بعنوان “المدينة المتآكلة” يسخط الشاعر ويعلن جفاف المدينة يكاشفها ويعريها: “مدينتي يعرفها المتاجرون/ الممثلون الرحمة والرياء/ أسكنها/ تسكنها قطة تتعلم الاستعراض/ ينام على اوجاعها الراسمون بطولاتهم/ المختلسون كحل النساء/ المثقلون باليوم النهائي..”.
وهو مانجده لدى ابراهيم زولي الشاعر الجنوبي السعودي وهو يقول: “خرجوا صبية من شعاب القصيدة، وانطلقوا للقرى، بعدما أفرغت ذكرياتك كل طيور المدينة وانفض سامرها الدموي”، وهو يشبه أيضا مقطعا لمجايله محمد حبيبي وهو يطرح فضاء للسؤال والذاكرة يقول: أجرحُ هذي المدينةْ/ وأعـلمُ أني أشكِّلُ من ذكرياتي بها فيلقـاً/ هل سأنسى التي أسكنتْ في دمايَ/ نسيب القرى؟”. وهذا مايمثله الشاعر السعودي محمد زايد الألمعي في “نرجسة الخيلاء” وهو الشاعر المتشبث بمدينة صغيرة على اطرافها قرى متناثرة وهاهو يسأل ويختار المدينة مكانا ليعبر عن صدمته أولا: “وانتصبتُ على شرفاتِ المدينةِ أسألُ/ عن قاتلي المرتدي كلماتي/ وأهصر فيكم مواعيد جوعي/ وأعرف أني بلا أملٍ/ أرتجي رشداً في ضلالاتكم”.
كائن قشري
ولاشك أن عالم المدينة وأسئلتها لم تكن وحدها بالطبع قرينة الشعر، بل إن الرواية والقصة السعوديتان أخذتا تتجهان إلى تلك العوالم في صميمها، من خلال نتاجات جيل ربما عاش حياته في المدن الكبرى ومارس نقدها أو قراءتها من زاوية أقرب.. لكن بقي الشاعر بحساسيته الرهيفة أو الحادة مع امكنته فيصلا ومنعطفا مهما يمكن من خلاله تقصي الكثير من الرؤى التي توثق لجماليات ما. ولفهم أكثر للتجربة الشعرية الحديثة منها على وجه الخصوص، تلك التجارب التي كانت تسير بشكل واعي مع المتغير الثقافي وزحزحة الأفكار التقليدية، وهذا ماينعكس في تلك الشعرية وإن اختلفت النسبة أو كيفية الطرح من مبدع لآخر، أو درجة الحداثة أو صوت الصدى فيها. بقي الشاعر السعودي في فضاءات المدينة تلك بدون تأثيرات أخرى مقروءة أو مأخوذة عن فنون أخرى، يعبّر عن جدله وقناعته ورفضه أو قبوله، سخطه أو رضاه، بالإضافة إلى قيمة التنوع الثقافي والإرثي والتي جعلت المدينة مادة واسعة للخيال وللحلم أو للرفض والشقاء. يقول الشاعر السعودي حسين آل دهيم: “طالما اعتبرتُ المدينة كائناً قشرياً يصيبني بحالة تشبه عدم التماهي مع عوالمها الحسية ما خلق قطيعة بيني وبينها على المستوى الشعوري. وهذه العلاقة غير المتكافئة من حيث الانجذاب دفعتني لكتابة بعض النصوص التي تكشف الهوة التي تتسع والمضادة للتجسير بيني وبين المدينة التي تُظهر الجمال وتخفي تحت طياتها كثيراً من العفونة والوحشة: مدينة مقامرة/ ونجومها تقايضها الخيانة/ بالتعفن المستتر في سعال الليل. هناك،/ ملامسة النبض المؤرخ للبلادة،/ آفاق تجفف احراش المساءات/ عند بوابات وحشتي”.
إيحاءات الضجيج
وتقول الشاعرة السعودية مها السراج وبرؤية تميل إلى تعاضد المدينة وأجواءها مع الشاعرة: “قد يبدو للوهلة الأولى، أن الشاعر لا يحتمل العيش في المدينة وأن أجواء الازدحام وتكدس العربات والضجيج قد يحولون دون أن يستلهم الشاعر الإحساس بالطبيعة التي تندثر في المدينة خلف المجمعات السكنية والأبراج... إلا أن المدينة تحمل في ضجيجها صورا تثير في الشاعر مكامن العواطف والحس الإنساني... ففي الضواحي والحارات الفقيرة يجد الشاعر فيها إيحاءات ومواضيع شتى.. ففي جدران البيوت الرطبة والمتهالكة تسكن طبقات من التاريخ تراكمت عبر السنين لتحكي قصص مارة وعابرين وأحداث وأزمنة.. وقد يجد الشاعر في زاوية من الطريق متشردا يلوذ بصحف متهالكة يدرأ بها برد الشتاء.. وإن خرج إلى طريق عام فقد تثيره ملامح امرأة أو انكسار طفل يمد يمده طلبا في السؤال أو قد يلمح الجمال في سحابة عبرت بين المباني الشاهقة”.
تحريك السكون
وتؤيد هذا الرأي الشاعرة السعودية مها السراج بقولها: “فضاء المدينة يذخر بالأحلام والأوهام.. قد ينزوي الجمال ولكنه لا يختفي فهو يبقى قائما بصورة أبدية في نفس الشاعر.. ويبلغ تأثير المدينة قويا من خلال المتابعة اليومية لأحداث الساعة، فالشأن السياسي يثير الشاعر أو الأديب كما تغضبه السقطات الاقتصادية والتناقضات الاجتماعية والجرائم الأخلاقية” وعن فضاء المدينة والريف وتقاطعهما تقول: “تختلف المدينة عن الريف بديناميكية الأحداث وتسارعها... فالتحولات متتابعة بشكل منتظم والضجيج يحفز الإثارة التي تعمل بدورها على تحريك السكون داخل الفكر... ليبدأ إعصار العقل يعمل كدقات الساعة متواصلا مع الحركة الدؤوبة للأحداث... في المدينة تجد أن الشعر يحمل رسالة ويؤدي هدفا ساميا... قد لا تستهوي هذه الفكرة بعضا من شعراء الطبيعة الا أنها في حقيقتها فكرة تحدث تغييرا في الفكر الإنساني وتشارك في صنع التغيير” وترى أن “المدينة بعوالمها ألهمت بمظاهر الفقر والتشرد في المدن الكبرى مثلا عددا من الشعراء فهذا هو الشاعر الهندي ماغاليش دابرال الذي يصور في شعره الملصقات الإعلانية حول الأطفال المختفين وتحمل صورهم، في مدينة نيودلهي، وهي المدينة التي تزدحم فيها مظاهر الأطفال المشردين والفقراء... فمن كل تلك المظاهر التي تميز مدينة نيودلهي الكبيرة بكل مشاكلها، يختار الشاعر ذلك المظهر بعينه ويكتب عنه شعراً”.
منقول
جريده الاتحاد صفحة الثقافة
شعراء سعوديون يخونون أمكنتهم
آخر تحديث: الأربعاء 09 ديسمبر 2009 الساعة 09:33PM بتوقيت الإمارات
محمد خضر
الخيانة.. تهمة قد تجد لها سياقا في عوالم السياسة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية، قد تودي بمرتكبها إلى حبل المشنقة. أما في عالم الأدب والشعر على وجه الخصوص، فإن للخيانة سياقاتها الثقافية التي تبرر نفسها وتحرض عليها. شعراء الحداثة السعوديون يرتكبون، منذ نشوء الظاهرة الحداثية في المملكة، أفعالا خيانية متواصلة مع أمكنتهم الأولى، وملاذاتهم البديلة. لقد خانوا أولا قراهم التي نبتوا في فضاءاتها الجغرافية وأطيافها المزاجية، ثم راحوا يخونون المدن التي احتضنتهم، وإن كانوا يغلفون تلك الخيانات دائما بمراث موجعة للأمكنة الأولى والثانية. فما الذي يريده الشاعر السعودي من المكان؟ هل يقبل بمجرد الاندماج في فضاءاته، أم أن تمرده يبدأ مكن نقطة الانتفاضة عن المكان؟
ثمة عوالم وأسئلة مشتركة تجمع الشعراء اليوم في فضاءاتهم. تلك العوالم أو الظواهر يتجول فيها المبدع ويكتبها ضمن اليومي والفلسفي والروحي بل وأحيانا فيما يشبه البوح الشعري الخام عن الحب والأسئلة الإنسانية الكبرى والقضايا المصيرية، متكئا على لغة وصورة تلامس واقعه المعاش وتقترب منه خصوصا في ظل تغير المفاهيم التقليدية للكتابة الشعرية. ولعل من أبرز تلك القضايا التي طرحها الشعراء هي المدينة بكل معطياتها لشاعر يبحث فيها عن مأوى لتلك اللغة الإبداعية المتماسة عادة مع معطيات الطبيعة الجميلة والتي تحظى بها القرية أكثر. هكذا هو الشاعر الذي يشبه العالم بأسئلته المتشابكة والصعبة.. الشاعر في توقه المستمر إلى هسهسة الشجر، وغناء الطبيعة الحر، وإلى احساسه باتحاد الأشياء من حوله.. خصوصا أولئك الشعراء الذين قدر لهم أن يعيشوا في المناخين كليهما مناخ القرية ـ المرتبط في المفاهيم بصلة وثيقة بالشعر ـ ومناخ المدينة الجديد والذي قد يدخل الشاعر في دوامة من الملاحظات والمقارنات، وما يتسلل إليه من لغة تجعل الشعر مختلفا، باعتبار الشعر ذلك كائنا حيويا متغيرا ومتأثرا بالمكان وطقوسه..
ثقب صغير
هاهو الشاعر السعودي محمد الحرز في قصيدته “مدن” يتأمل ويتساءل وضمن مناخ المدن جميعها يقول: “وأنت تعبر الفضاء من مدينة إلى أخرى/ من بغداد إلى دمشق/ أو بيروت إلى القاهرة/ تحتاج إلى ثقب صغير/ لاأحد يلمحه غيرك/ ولاتزحف إليه كآبة الأرض/ مثل دودة/ ولايسير إليه المسافرون بأذقانهم الحليقة بتأنق ودقة”. ثم يدخل بنا الحرز في تفاصيل هذه المدن وفي رؤيته الخاصة وهو يقول: “هناك مدن حول العالم لاتصغي إلى زوارها”.
ولدى أحمد كتوعة الشاعر السعودي نلمح مقاطع أخرى من أجواء المدينة وانعكاسها وربما دون تفاصيل.. نلمح مفردة المدينة في مكان آخر ومألوف لدى الشاعر لكنها المفردة التي لابد منها كي تتميز الأمكنة عن بعضها، وكي يستمر السؤال الشعري: “أربعة سيقان كأنها المتاهة/ كمماسح مبللة برذاذ الصيف عقمت الأرصفة/ والواجهات/ لامعة هاهي المدينة”. ولعل مفردة المدينة بحد ذاتها أخذت لدى كل شاعر أهمية خاصة، تختلف من شاعر إلى آخر، فنحن نعثر على مايدل على المدينة لكن دلالة المفردة نفسها قد تؤول إلى التعبير عن الدهشة خصوصا إذا ما كانت المدينة هي الوجه الآخر للقرية عند الشعراء الذين جاؤوا من مراتعها.. فنجد لدى عبدالرحمن الشهري الشاعر السعودي في قصيدة “لم يصادق على مائه”: “كان ليل المدينة/ أحلك من حدق الناظرين إلى البحر/ كان.. كقطرة ماء على فم صحراء/ لاشيء يروي ..”، وهو يصل بنا في نصوصه أيضا إلى ذاكرته الطفولية التي حملت طفل القرية النابه بما حوله.. فها هو يتذكر بيت الحمام والشجر والرغيف والأم وحديث الجدات، ثم مايلبث أن يعود للسيارات والأرصفة فيقول في مقطع آخر: “غادر المرجفون.. فأطلق سحنته في عراء المدينة”. إنها صورة خاصة بالشاعر لأنه يلتقط المدينة في عرائها ذلك العراء الذي قد يغلب على الصحراء وعلى البادية أو القرية أكثر.. لكنه حتما عراء المدينة بقسوتها أحيانا على الروح الشاعرة..
أحلام أخرى
ولعل صورة المدينة لدى الشاعر السعودي الحديث تشكلت في العديد من الرؤى ومن المقولات للبحث في انعكاسها لدى الشاعر، ولسبب آخر جغرافي يختص بتنوع الأمكنة واختلاف ثقافتها بين ماهو ساحلي وريفي وبدوي ومدني لايكف عن الاستمرار في تقدمه نحو الجديد. كل هذا بالاضافة إلى أن كل مكان له خصوصيته اللغوية والثقافية. فها هو الشاعر عبدالله ثابت يحكي عن أحلام أخرى في بال الشعراء: “حلموا بالمراقص/ المدن التي ترطب الجسد” وفي مقطع آخر جدلية المدينة والقرية: “تتمدد السماء.. تغتسل المدينة/ والقرايا تلملم البسطاء على الرمل/ يحتفلون حين تبتكر أنثى”. أو في نص كامل بعنوان “المدينة المتآكلة” يسخط الشاعر ويعلن جفاف المدينة يكاشفها ويعريها: “مدينتي يعرفها المتاجرون/ الممثلون الرحمة والرياء/ أسكنها/ تسكنها قطة تتعلم الاستعراض/ ينام على اوجاعها الراسمون بطولاتهم/ المختلسون كحل النساء/ المثقلون باليوم النهائي..”.
وهو مانجده لدى ابراهيم زولي الشاعر الجنوبي السعودي وهو يقول: “خرجوا صبية من شعاب القصيدة، وانطلقوا للقرى، بعدما أفرغت ذكرياتك كل طيور المدينة وانفض سامرها الدموي”، وهو يشبه أيضا مقطعا لمجايله محمد حبيبي وهو يطرح فضاء للسؤال والذاكرة يقول: أجرحُ هذي المدينةْ/ وأعـلمُ أني أشكِّلُ من ذكرياتي بها فيلقـاً/ هل سأنسى التي أسكنتْ في دمايَ/ نسيب القرى؟”. وهذا مايمثله الشاعر السعودي محمد زايد الألمعي في “نرجسة الخيلاء” وهو الشاعر المتشبث بمدينة صغيرة على اطرافها قرى متناثرة وهاهو يسأل ويختار المدينة مكانا ليعبر عن صدمته أولا: “وانتصبتُ على شرفاتِ المدينةِ أسألُ/ عن قاتلي المرتدي كلماتي/ وأهصر فيكم مواعيد جوعي/ وأعرف أني بلا أملٍ/ أرتجي رشداً في ضلالاتكم”.
كائن قشري
ولاشك أن عالم المدينة وأسئلتها لم تكن وحدها بالطبع قرينة الشعر، بل إن الرواية والقصة السعوديتان أخذتا تتجهان إلى تلك العوالم في صميمها، من خلال نتاجات جيل ربما عاش حياته في المدن الكبرى ومارس نقدها أو قراءتها من زاوية أقرب.. لكن بقي الشاعر بحساسيته الرهيفة أو الحادة مع امكنته فيصلا ومنعطفا مهما يمكن من خلاله تقصي الكثير من الرؤى التي توثق لجماليات ما. ولفهم أكثر للتجربة الشعرية الحديثة منها على وجه الخصوص، تلك التجارب التي كانت تسير بشكل واعي مع المتغير الثقافي وزحزحة الأفكار التقليدية، وهذا ماينعكس في تلك الشعرية وإن اختلفت النسبة أو كيفية الطرح من مبدع لآخر، أو درجة الحداثة أو صوت الصدى فيها. بقي الشاعر السعودي في فضاءات المدينة تلك بدون تأثيرات أخرى مقروءة أو مأخوذة عن فنون أخرى، يعبّر عن جدله وقناعته ورفضه أو قبوله، سخطه أو رضاه، بالإضافة إلى قيمة التنوع الثقافي والإرثي والتي جعلت المدينة مادة واسعة للخيال وللحلم أو للرفض والشقاء. يقول الشاعر السعودي حسين آل دهيم: “طالما اعتبرتُ المدينة كائناً قشرياً يصيبني بحالة تشبه عدم التماهي مع عوالمها الحسية ما خلق قطيعة بيني وبينها على المستوى الشعوري. وهذه العلاقة غير المتكافئة من حيث الانجذاب دفعتني لكتابة بعض النصوص التي تكشف الهوة التي تتسع والمضادة للتجسير بيني وبين المدينة التي تُظهر الجمال وتخفي تحت طياتها كثيراً من العفونة والوحشة: مدينة مقامرة/ ونجومها تقايضها الخيانة/ بالتعفن المستتر في سعال الليل. هناك،/ ملامسة النبض المؤرخ للبلادة،/ آفاق تجفف احراش المساءات/ عند بوابات وحشتي”.
إيحاءات الضجيج
وتقول الشاعرة السعودية مها السراج وبرؤية تميل إلى تعاضد المدينة وأجواءها مع الشاعرة: “قد يبدو للوهلة الأولى، أن الشاعر لا يحتمل العيش في المدينة وأن أجواء الازدحام وتكدس العربات والضجيج قد يحولون دون أن يستلهم الشاعر الإحساس بالطبيعة التي تندثر في المدينة خلف المجمعات السكنية والأبراج... إلا أن المدينة تحمل في ضجيجها صورا تثير في الشاعر مكامن العواطف والحس الإنساني... ففي الضواحي والحارات الفقيرة يجد الشاعر فيها إيحاءات ومواضيع شتى.. ففي جدران البيوت الرطبة والمتهالكة تسكن طبقات من التاريخ تراكمت عبر السنين لتحكي قصص مارة وعابرين وأحداث وأزمنة.. وقد يجد الشاعر في زاوية من الطريق متشردا يلوذ بصحف متهالكة يدرأ بها برد الشتاء.. وإن خرج إلى طريق عام فقد تثيره ملامح امرأة أو انكسار طفل يمد يمده طلبا في السؤال أو قد يلمح الجمال في سحابة عبرت بين المباني الشاهقة”.
تحريك السكون
وتؤيد هذا الرأي الشاعرة السعودية مها السراج بقولها: “فضاء المدينة يذخر بالأحلام والأوهام.. قد ينزوي الجمال ولكنه لا يختفي فهو يبقى قائما بصورة أبدية في نفس الشاعر.. ويبلغ تأثير المدينة قويا من خلال المتابعة اليومية لأحداث الساعة، فالشأن السياسي يثير الشاعر أو الأديب كما تغضبه السقطات الاقتصادية والتناقضات الاجتماعية والجرائم الأخلاقية” وعن فضاء المدينة والريف وتقاطعهما تقول: “تختلف المدينة عن الريف بديناميكية الأحداث وتسارعها... فالتحولات متتابعة بشكل منتظم والضجيج يحفز الإثارة التي تعمل بدورها على تحريك السكون داخل الفكر... ليبدأ إعصار العقل يعمل كدقات الساعة متواصلا مع الحركة الدؤوبة للأحداث... في المدينة تجد أن الشعر يحمل رسالة ويؤدي هدفا ساميا... قد لا تستهوي هذه الفكرة بعضا من شعراء الطبيعة الا أنها في حقيقتها فكرة تحدث تغييرا في الفكر الإنساني وتشارك في صنع التغيير” وترى أن “المدينة بعوالمها ألهمت بمظاهر الفقر والتشرد في المدن الكبرى مثلا عددا من الشعراء فهذا هو الشاعر الهندي ماغاليش دابرال الذي يصور في شعره الملصقات الإعلانية حول الأطفال المختفين وتحمل صورهم، في مدينة نيودلهي، وهي المدينة التي تزدحم فيها مظاهر الأطفال المشردين والفقراء... فمن كل تلك المظاهر التي تميز مدينة نيودلهي الكبيرة بكل مشاكلها، يختار الشاعر ذلك المظهر بعينه ويكتب عنه شعراً”.
منقول
جريده الاتحاد صفحة الثقافة