عاشق البادية
09-02-2005, 03:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
فيما يلي، المعاني العميقة لبعض الكلمات التي نسمعها ولا نلقي لها بالاً أو نفهمها فهماً عميقاً
الإنسان
(في الإنكليزية Man، في اللاتينية Homo)
الإنسان أصله إنسيان، لأن العرب قاطبة قالوا في تصغيره (أُنيسيان)، وهو إما فعليان من الإنس، والألف فيه فاء الفاعل، وإما أفعلان من النسيان، حتى لقد قيل أنه سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي، والإنسان للذكر والأنثى، ويطلق على أفراد الجنس البشري. ومن أساليب القرآن أنه إذا كان المقام مقام التعبير عن المفرد، يذكر الإنسان نحو (كل إنسانٍ ألزمناه)، وإذا كان مقام التعبير عن الجمع، يذكر الناس، نحو (إن الله لذو فضلٍ على الناس). وأكثر ما أتى في القرآن باسم الإنسان عند ذم وشر: قتل الإنسان ما أكفره، وكان الإنسان عجولا (راجع كليات أبي البقاء). والنسبة إلى الإنسان إنساني، كالنفس الإنسانية، والعقل الإنساني، والصورة الإنسانية، والقوى الإنسانية، والأعمال الإنسانية. الخ.
والفرق بين الإنسان والرجل عند علماء الشريعة أن الإنسان جنس، والرجل نوع، كالمرأة، أما عند المناطقة فإن الإنسان نوع، والحيوان جنس. وسواء أكان الإنسان نوعاً من الرئيسات (Primates) كما يقول علماء الحيوان، أم كان ذا مرتبة خاصة تميزه عن سائر الأنواع الحيوانية، فإن بنيته قريبة من بنية الثدييات العالية، ووظائفه العضوية شبيهة بوظائفها. والصفات التي يتميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات هي انتصاب قامته، وضخامة قحفه، ووزن دماغه، وقدرته على الكلام، وبشرته العارية من الوبر، ورأسه المملوء من الشعر، وأنفه البارز فوق فمه، وذقنه البارزة، ويداه الممتدتان في استقامة ذراعيه، ورجلاه العموديتان على ساقيه، ونمو عضلات فخذيه وأوراكه الخ. وللإنسان من حيث هو كائن حي عدة وظائف كالتغذي، والإحساس، والحركة، والتوليد. وظائف التغذي هي التنفس، ودوران الدم، والهضم، والتمثيل، والإفراز.
والإنسان، عند الفلاسفة، هو الحيوان الناطق (تعريفات الجرجاني)، الحيوان جنسه، والناطق فصله. قال ابن سينا: "ليس الإنسان إنساناً بأنه حيوان، أو مائت، أو أي شيء آخر، بل بأنه، مع حيوانيته، ناطق" (النجاة، ص 11). وقال أيضاً عند كلامه على المعاني التي تلتئم منها حقيقة الإنسان: "مثال ذلك الإنسان، فإنه يحتاج أن يكون جوهراً، ويكون له امتداد في أبعاد تفرض فيه طولاً وعرضاً وعمقاً، وأن يكون مع ذلك ذا نفس، وأن تكون نفسه نفساً يغتذي بها، ويحس، ويتحرك بالإرادة، ومع ذلك يكون بحيث يصلح أن يتفهم المعقولات ويتعلم الصناعات ويعلمها ... فإذا التأم جميع هذا حصل من جملتها ذات واحدة، هي ذات الإنسان" (الشفاء، المدخل إلى المنطق، ص 29). وقال الفارابي: "إن الإنسان منقسم إلى سرٍ وعلن، أما علنه، فهو الجسم المحسوس بأعضائه وامتساحه، وقد وقف الحس على ظاهره، ودل التشريح على باطنه، وأما سره، فقوى روحه" (رسالة فصوص الحكم، ص 30).
ويرى الفلاسفة أن الإنسان هو المعنى القائم بهذا البدن، ولا مدخل للبدن في مسمّاه، وليس المشار إليه بـ "أنا" هذا الهيكل المخصوص، بل الإنسانية المقومة لهذا الهيكل، فالإنسان إذن شيء مغاير لجملة أجزاء البدن. ولكن جمهور المتكلمين يرون أن الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة المحسوسة، وعن هذا الهيكل المجسم المحسوس، فإذا قال: أنا أكلت، وشربت، ومرضت، وخرجت، ودخلت، وأمثالها، فإنما يريد بذلك البدن، وعبارة الأشعري: إن الإنسان هو هذه الجملة المصورة ذات الأبعاض والصور. والحق أن الإنسان مؤلف من هذه الجملة الحسية المصورة، ومن تلك الجملة النفسية المؤلّفة من الحالات المتداخلة، كالإنفعال والإحساس والإدراك والتعقل والإرادة، فهو إذن جسم وعقل.
قال الجرجاني في تعريفاته: "الإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم الإلهية والكونية والجزئية، وهو كتاب جامع للكتب الإلهية والكونية، فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمى بأم الكتاب، ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ ، ومن حيث نفسه كتاب المحو والإثبات ... فنسبة العقل الأول إلى العالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح الإنساني إلى البدن وقواه، وان النفس الكلية قلب العالم الكبير، كما ان النفس الناطقة قلب الإنسان، ولذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير".
الإنسان الصانع (Homo Faber)
هو الإنسان من جهة ما هو صانع مادياً ومعنوياً، انه يصنع الأشياء ويصنع نفسه، ويقابله الإنسان العاقل.
والإنسان العاقل (Homo Sapiens)
هو الإنسان الذي يتولد من تفكير الإنسان الصانع في صنعه، وهو تفكير ومعرفة وإرادة.
والإنسان الإقتصادي (Homo Oeconomicus)
هو الإنسان الذي يكون سلوكه محدداً بالمصالح الإقتصادية وحدها دون أي دافع عاطفي أو أخلاقي أو ديني.
الإنسانية
(في الإنكيزية Humanity, Mankind, Humaneness في اللاتينية Humanitas)
الإنسانية تدل على ما اختص به الإنسان من الصفات، وأكثر استعمال هذا اللفظ في العربية إنما هو للمحامد، نحو الجود والكرم وغيرها.
والإنسانية عند الفلاسفة القدماء هي المعنى الكلي المجرد الدال على ما تتقوم به ماهية الإنسان. والدليل على ذلك قول ابن سينا: "مثل الإنسانية، فإنها في نفسها حقيقة ما، وماهية، ليس أنها موجودة في الأعيان، أو موجودة في الأذهان مقوماً لها، بل مضاف إليها، ولو كان مقوماً لها، لاستحال أن يتمثل معناها في النفس، خالياً عما هو جزؤها المقوم" (الإشارات ص 8). والإنسان عندهم لا يبلغ أعلى مراتب الإنسانية إلا بإخراج ما في قوته إلى الفعل حتى يصبح إنساناً كاملاً. قال صاحب الرسالة الجامعة: "ولذلك قال الحكيم انه من كان للعلم ألزم، وعليه أحرص وأدوم وفيه أرغب، فهو إلى كمال الإنسانية أقرب" (الرسالة الجامعة، الجزء الأول، ص 92). وقال أبوحيان التوحيدي: "الإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، ودائر على مركزه، إلا أنه مرموق بطبيعته، ملحوظ بأخلاق بهيمية. ومن رفع عصاه عن نفسه، وألقى حبله، وسيّب هواه في مرعاه، ولم يضبط نفسه عما تدعو إليه بطبعه، وكان لين العريكة لاتباع الشهوات الردية، فقد خرج عن أفقه وصار إلى أرذل من البهيمية لسوء إيثاره" (المقابسات ص 137، المقابسة 37).
وللإنسانية في الفلسفة الحديثة ثلاثة معان:
الإنسانية هي المعنى الكلّي الدال على الخصائص المشتركة بين جميع الناس، كالحياة والحيوانية والنطق وغيرها. وهذا المعنى شبيه بالمعنى القديم الذي نجده عند فلاسفة العرب.
الإنسانية هي مجموع خصائص الجنس البشري المقومة لفصله النوعي التي تميزه عن غيره من الأنواع القريبة. مثال ذلك قول (أوغوست كومت): "ان المثال الأساسي للتطور الإنساني فردياً كان أو جماعياً يقوم في علم الإجتماع الوضعي على تغلب إنسانيتنا على حيوانيتنا"
(Auguste Comte, Cours de philosophie Positive, 59e lecon, ad finem, 4e edition, VI, 721)
(راجع أيضاً لالاند Lalande, Vocabulaire, art. Humanite)
مجموع أفراد النوع الإنساني من حيث أنهم يؤلفون موجوداً جماعياً، قال (أوغوست كومت): "ان الفلسفة العامة المستنتجة من الدراسات الوضعية تعد الإنسان –أو الإنسانية- أول الكائنات المعلومة". وهو يقيد هذا اللفظ أحياناً، فيطلقه على مجموع أفراد الجنس البشري الذين أسهموا في تنمية الصفات الإنسانية إسهاماً فعلياً. وهذا المعنى الأخير هو المعنى المقصود بقوله: الإنسانية هي الموجود الأعظم.
الأخلاق
(في الإنكليزية Moral, Ethics في اللاتينية Moralis)
الأخلاق في اللغة جمع خلق، وهو العادة، والسجيّة، والطبع، والمروءة، والدين. وعند القدماء ملكة تصدر بها الأفعال عن النفس من غير تقدّم رويّة وفكر وتكلف. فغير الراسخ من صفات النفس لا يكون خلقاً، كغضب الحكيم، وكذلك الراسخ الذي تصدر عنه الأفعال بعسر وتأمل، كالبخيل إذا حاول الكرم.
وقد يطلق لفظ الأخلاق على جميع الأفعال الصادرة عن النفس محمودة كانت أو مذمومة، فتقول فلانٌ كريم الأخلاق، أو سيء الأخلاق. وإذا أطلق على الأفعال المحمودة فقط دلّ على الأدب، لأن الأدب لا يطلق إلا على المحمود من الخصال. فإذا قلت: أدب القاضي أردت به ما ينبغي للقاضي أن يغعله، وكذلك اذا قلت: آداب الوزراء، والكتّاب، والمعلمين، والمتعلمين. وفي كتابي الأدب الكبير والأدب الصغير لابن المقفع، وكتاب أدب الدنيا والدين للماوردي أمثلة كثيرة تفسر هذا المعنى.
والفرق بين الأدب والتعليم أن الأدب يتعلق بالعادات، والتعليم بالشرعيات، الأول عرفي دنيوي، والثاني شرعي ديني. وقد يطلق الأدب على السنّة أو على الورع وصيانة النفس. وله عند العرب عدة مصادر، وهي الشعر الجاهلي، والقرآن، والحديث، والسيَر، وهو متقدم على علم الأخلاق المشتمل على الكثير من العناصر اليونانية والفارسية والهندية.
ويسمّى علم الأخلاق (La Morale) بعلم السلوك، أو تهذيب الأخلاق، أو فلسفة الأخلاق (Ethique)، أو الحكمة العملية، أو الحكمة الخلقية. والمقصود به معرفة الفضائل وكيفية اقتنائها لتزكو بها النفس، ومعرفة الرذائل لتتنزه عنها النفس (راجع كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه). ولمعرفة ما يجب على الإنسان فعله لبلوغ السعادة تكلم الفلاسفة على طبيعة الوجدان والضمير وطبيعة الخير والعدل والواجب والمحبة، وبنوا جميع المفاهيم الخلقية التي تصوروها على الأسس المستمدة من مبادئهم الفلسفية العامة. ونحن نطلق اليوم لفظ الأخلاق على المعاني التالية:
الأخلاق النسبية: وهي مجموع قواعد السلوك المقررة في زمان معين لمجتمع معين. تقول: أخلاق العرب، وأخلاق الفرس، وأخلاق الروم. فلكل شعب أخلاقه المتفقة مع شروط وجوده، ولا يمكنك أن تحمله على أخلاق غير أخلاقه دون تعريض نظام حياته للإضطراب والفساد (Durkheim, Division du travail social II ch. 1. p. 262).
الأخلاق المطلقة: وهي مجموع قواعد السلوك الثابتة التي تصلح لكل زمان ومكان. ويسمّى العلم الذي يبحث في هذه الأخلاق بفلسفة الأخلاق، وهي الحكمة العملية التي تفسر معنى الخير والشر، وتنقسم إلى قسمين: أحدهما عام مشتمل على مبادئ السلوك الكلية، والآخر خاص مشتمل على تطبيق هذه المبادئ في مختلف نواحي الحياة الإنسانية. وجماع ذلك كله تحديد ما يجب أن يكون، لا وصف ما هو كائن في الواقع.
الأخلاق النهائية والأخلاق المؤقتة: لقد فرق (ديكارت) في كتابه (مقالة الطريقة) بين الأخلاق النظرية أو النهائية المبنية على المبادئ الفلسفية، وبين الأخلاق المؤقتة (Provisoire) المشتملة على بعض القواعد العملية التي تصلح للحياة في مجتمع معين. وقريب من ذلك أيضاً قول (لفي بروهل) ان التقدم الأخلاقي لا يدلّ على تقدم النظريات الأخلاقية، بل يدل على مطابقة السلوك العملي لقواعد الأخلاق في حياة إنسانية أفضل.
أخلاق المواقف (Morale de situation): هي الأخلاق المبنية على تحديد المعطيات المعقدة الخاصة بكل حالة من حالات الحياة، لا الأخلاق المستنبطة من القوانين العامة.
والأخلاق الساكنة (statique) أو المغلقة (close) عند (هنري برغسون) مقابلة للأخلاق الحراكية (Dynamique) أو المتفتحة (ouverte) (H. Bergson, Les deux sources. P 286) وإلى جانب لفظ الأخلاق ثلاثة ألفاظ أخرى لا بد من الإشارة إليها هنا، وهي:
1- الأخلاقي (Moral) وهو المنسوب إلى الأخلاق أو إلى قواعد السلوك المقررة في زمان معين، مثال ذلك قول (دوركهايم): الحادث الأخلاقي لا يكون سوياً في مجتمع معين إلا إذا كان شائعاً في العدد المتوسط من المجتمعات الأخرى التي هي من نوع ذلك المجتمع. تقول بهذا المعنى: الحقيقة الأخلاقية، والواقع الأخلاقي (Realite Morale) والحس الأخلاقي (Sens Moral). والأخلاقي أيضاً هو المتعلق بالحكمة الخلقية. والأخلاقي أخيراً مقابلٌ للاّ أخلاقي (Immoral)، ويطلق على الأفعال الحميدة المطابقة للأخلاق أو لقواعد السلوك العملية. ويطلق الأخلاقي (Moral) في اللغة الفرنسية على العملي (Pratique) أو على المعنوي وهو المتعلق بالنفس لا بالبدن. تقول: الثروة الأخلاقية، والعلوم الأخلاقية أي المعنوية.
وفرقوا بين الأمر الأخلاقي، والأمر الذي هو بمعزل عن الأخلاق (Amoral)، كسلوك الحيوان، فهو سلوك محايد لا يوصف بالأخلاقي ولا باللا أخلاقي، لأن هاتين الصفتين تقتضيان تصوّر الفعل والقصد إليه، أو البعد عنه، وليس ذلك شأن الحيوان.
فائدة – اذا أضفت لفظ الأخلاق إلى لفظ آخر، دلّ على مجموع قواعد السلوك المتعلقة بالشيء الذي يدلّ عليه ذلك اللفظ، تقول: أخلاق المنفعة، وأخلاق اللذة، وأخلاق الواجب، وكذلك اذا نسبته الى جماعة معينة، دلّ على قواعد السلوك الخاصة بتلك الجماعة، تقول: الأخلاق الإسلامية، والأخلاق المسيحية، والأخلاق المهنية، والأخلاق الرواقية والأخلاق الإشتراكية.
2- المذهبية الأخلاقية (Moralisme)، هي النظرية التي تقرر أن للأخلاق قيمة مطلقة. مثال ذلك: ان مبدأ الفلسفة الأعلى عند (فيخته) هو قانون العمل، لا قانون الوجود، فإذا صح هذا القول، لزم عنه عدة نتائج، وهي:
أنّ لمبادئ الأخلاق قيمة مطلقة، وهي الأصل الذي ترجع إليه جميع القيم الإنسانية.
أنّ علم الأخلاق مستقل عن علم ما بعد الطبيعة، على حين أن علم ما بعد الطبيعة تابع لعلم الأخلاق.
أنّ ما يجب على الإنسان لنفسه ولأبناء جنسه متقدم على ما سواه.
أنّ بحث المرء عن خيره الذاتي متقدم على بحثه عن الخير الموضوعي.
3- وتطلق الأخلاقية (Moralite) من جهة ما هي صفة، على الأمر الذي يتضمن معنى الخير والشر، بخلاف الأمر الذي هو بمعزل عن الأخلاق. وهي إيجابية أو سلبية، فالإيجابية تتعلق بالأفعال الحميدة، والسلبية تتعلق بالأفعال المذمومة. وإذا أطلقت لفظ الأخلاقية على مبادئ السلوك دلّ على القيم المطابقة للمثل الأعلى الأخلاقي. وإذا أطلقته على السلوك العملي دلّ على مطابقة هذا السلوك لمبادئ الأخلاق (راجع دائرة المعارف، المجلد 7، بيروت 1967).
تبكيت الضمير
(في الإنكليزية Remorse وهو مشتق من اللفظ اللاتيني mordere ومعناه عض)
تبكيت الضمير ألم نفساني شديد يقضّ مضجع الإنسان لشعوره بأنه أساء عملاً، ولذلك قال (بيار جانه): تبكيت الضمير ألم محرق يعضّ المرء بنابه عند شعوره بارتكاب الإثم. والفرق بين تبكيت الضمير والندم (Repentir) أن أثر الإرادة في الندم أقوى من أثرها في تبكيت الضمير، وأن الإنفعال في تبكيت الضمير أشد مما هو عليه في الندم، وأن للندم معنى خلقياً ودينياً لا يتضمنه تبكيت الضمير. فالندم حزن واعتبار، وتبكيت الضمير قلق وعذاب، والندم فضيلة وتوبة، وتبكيت الضمير عتاب وشقاء.
والفرق بين تبكيت الضمير والأسف (Regret) أن الأسف لا يتضمن لوم النفس على ما فات، وإنْ تضمن استنكار الفعل واستقباحه، تقول: يا أسفي على ما حدث توجعاً وتحسراً، ولكنك لا تعد نفسك مسؤولاً عنه، ولا مستحقاً للتوبيخ واللوم عليه. وإذا كان لإرادتك أثر في حدوث مثل هذا الفعل برّأت نفسك من المسؤولية بقولك: ان نيتك كانت صادقة، فما بالك اذا كان حدوث الفعل غير تابع لإرادتك. أما تبكيت الضمير فإنه لا يخلو من التوبيخ واللوم، لأنه كما قلنا ألم نفساني شديد، ناشئ عن الشعور بارتكاب الإثم.
تحصيل الحاصل
(في الإنكليزية Tautology، في اللاتينية Toutologia)
التحصيل في اللغة الجمع، وفي العرف العام جمع العلم، والحاصل إسم فاعل من الحصول، وهو ما يحصل بالفعل. فمعنى تحصيل الحاصل إذن جمع ما هو حاصل في الذهن، وليس في هذا الجمع علم جديد يضاف إلى العلم القديم، ومنه قولهم: تفسير الماء بالماء.
ويطلق اصطلاح تحصيل الحاصل على القضية التي يكون موضوعها ومحمولها شيئاً واحداً، كقولنا: الإنسان إنسان، وما هو هو، و ب = ب . ويطلق هذا الإصطلاح أيضاً على المغالطة التي تحاول البرهنة على صدق القول بتكرار مضمونه بألفاظ أخرى غير ألفاظه. ومبدأ تحصيل الحاصل هو المبدأ الذي يوجب أن يكون للفظ المستعمل في التفسير معنى واحد لا يتغير.
وقانون تحصيل الحاصل (Loi de Tautologie) هو القانون التالي: ب x ب = ب ، ب + ب = ب ومعناه أن مجموع الحدود المتساوية أو حاصل ضربها في نفسها مساوٍ لحدٍ واحدٍ منها. (راجع: Couturat, L'algebre de la logique)
الحسد والغيرة
(في الإنكليزية Envy, Jealosy، في اللاتينية Invidia, Zelus)
الحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة، فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه، وحقيقته شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل، وهو غير الغبط ، لأن الغبط أن يتمنى الرجل أن يكون له نعمة مثل أخيه ولا يتمنى زوالها عنه، وغير المنافسة، لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم. والحسد مصروف إلى الضرر. والفرق بين الحسد والغيرة (Jalosie) أن الغيرة حالة إنفعالية تدفع المرء إلى منع غيره من مشاركته في محبوبه، تقول غار الرجل على امرأته، أي ثارت نفسه لإبدائها زينتها ومحاسنها لغيره، ولانصرافها عنه إلى آخر، وللحسد درجتان: إحداهما أن يتولى زوال النعمة عن أخيه من غير أن تصير تلك النعمة له، والثانية أن يتمنى زوال نعمة المحسود وتحولها إليه.
ومن دواعي الحسد الحزن والأسى على الخيرات تكون لغيرنا من الناس، فنبغضهم، ونخاف أن يؤدي استمتاعهم بتلك الخيرات إلى سلبها عنا، أو نيأس من أن يتأتى لنا منها حظ كحظهم. واعلم أنه بحسب فضل الإنسان وجماله وكماله وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له. فإن كثر فضله كثر حساده، وإن قلّ قلوا، لأن ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكمد.
قال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ
طويت أتاح لها لسان حسود.
(راجع: أدب الدنيا والدين للماوردي، ص 233).
الرضى والرضاء
(في الإنكليزية Assent, Consent)
الرضى كمال إرادة وجود الشيء. والفرق بين الرضى والرضاء أن الرضى هو المرضاة، والرضاء هو المراضاة. والرضى أخص من الإرادة. وهو قسمان: قسم يكون لكل مكلف، وهو ما لا بد منه في الإيمان، وحقيقته قبول ما يرد من الله من غير اعتراض على حكمه وتقديره. وقسم لا يكون إلا لأرباب المقامات، وحقيقته ابتهاج القلب وسروره بالمقضي.
والرضى فوق التوكل لأنه مرادف للمحبة. والرضوان بمعنى الرضى. والرضاء عند المعتزلة هو الإرادة، وعند الأشاعرة ترك الإعتراض على ما قدره الله. و الرضاء هو القبول والتسليم، تقول: رضيه ورضي به: اختاره وقبله، وله درجات أدناها الظن وأعلاها اليقين. قال (مالبرانش): ينبغي للمرء أن يسلم بالقول الذي يجده صحيحاً. لأنه إذا ثبتت له صحة القول، وامتنع عن التصديق به، شعر بقلق النفس وملامة العقل.
والرضاء هو المصادقة والموافقة، ومنه قولهم الرضاء العام، أو الرضاء الكلي بمعنى الإجماع والإتفاق. والرضاء أيضاً الموافقة على أمر أراده غيرك من غير اعتراض عليه، كموافقة الوالد على زواج ولده، تقول: رضي الزواج له، أي رآه أهلاً له فوافق عليه. ومع ذلك فالرضاء أضعف من الإرادة والقرار والتصديق، لأن المرء قد يرضى بالشيء المكروه تسليماً لا حباً وإرادة، كمن أصابته مصيبة فيرضى بما قدر له، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
منقــــول ....
وسلامتكم ،،،
المصدر: المعجم الفلسفي
وبه نستعين
فيما يلي، المعاني العميقة لبعض الكلمات التي نسمعها ولا نلقي لها بالاً أو نفهمها فهماً عميقاً
الإنسان
(في الإنكليزية Man، في اللاتينية Homo)
الإنسان أصله إنسيان، لأن العرب قاطبة قالوا في تصغيره (أُنيسيان)، وهو إما فعليان من الإنس، والألف فيه فاء الفاعل، وإما أفعلان من النسيان، حتى لقد قيل أنه سمي إنساناً لأنه عهد إليه فنسي، والإنسان للذكر والأنثى، ويطلق على أفراد الجنس البشري. ومن أساليب القرآن أنه إذا كان المقام مقام التعبير عن المفرد، يذكر الإنسان نحو (كل إنسانٍ ألزمناه)، وإذا كان مقام التعبير عن الجمع، يذكر الناس، نحو (إن الله لذو فضلٍ على الناس). وأكثر ما أتى في القرآن باسم الإنسان عند ذم وشر: قتل الإنسان ما أكفره، وكان الإنسان عجولا (راجع كليات أبي البقاء). والنسبة إلى الإنسان إنساني، كالنفس الإنسانية، والعقل الإنساني، والصورة الإنسانية، والقوى الإنسانية، والأعمال الإنسانية. الخ.
والفرق بين الإنسان والرجل عند علماء الشريعة أن الإنسان جنس، والرجل نوع، كالمرأة، أما عند المناطقة فإن الإنسان نوع، والحيوان جنس. وسواء أكان الإنسان نوعاً من الرئيسات (Primates) كما يقول علماء الحيوان، أم كان ذا مرتبة خاصة تميزه عن سائر الأنواع الحيوانية، فإن بنيته قريبة من بنية الثدييات العالية، ووظائفه العضوية شبيهة بوظائفها. والصفات التي يتميز بها الإنسان عن سائر الحيوانات هي انتصاب قامته، وضخامة قحفه، ووزن دماغه، وقدرته على الكلام، وبشرته العارية من الوبر، ورأسه المملوء من الشعر، وأنفه البارز فوق فمه، وذقنه البارزة، ويداه الممتدتان في استقامة ذراعيه، ورجلاه العموديتان على ساقيه، ونمو عضلات فخذيه وأوراكه الخ. وللإنسان من حيث هو كائن حي عدة وظائف كالتغذي، والإحساس، والحركة، والتوليد. وظائف التغذي هي التنفس، ودوران الدم، والهضم، والتمثيل، والإفراز.
والإنسان، عند الفلاسفة، هو الحيوان الناطق (تعريفات الجرجاني)، الحيوان جنسه، والناطق فصله. قال ابن سينا: "ليس الإنسان إنساناً بأنه حيوان، أو مائت، أو أي شيء آخر، بل بأنه، مع حيوانيته، ناطق" (النجاة، ص 11). وقال أيضاً عند كلامه على المعاني التي تلتئم منها حقيقة الإنسان: "مثال ذلك الإنسان، فإنه يحتاج أن يكون جوهراً، ويكون له امتداد في أبعاد تفرض فيه طولاً وعرضاً وعمقاً، وأن يكون مع ذلك ذا نفس، وأن تكون نفسه نفساً يغتذي بها، ويحس، ويتحرك بالإرادة، ومع ذلك يكون بحيث يصلح أن يتفهم المعقولات ويتعلم الصناعات ويعلمها ... فإذا التأم جميع هذا حصل من جملتها ذات واحدة، هي ذات الإنسان" (الشفاء، المدخل إلى المنطق، ص 29). وقال الفارابي: "إن الإنسان منقسم إلى سرٍ وعلن، أما علنه، فهو الجسم المحسوس بأعضائه وامتساحه، وقد وقف الحس على ظاهره، ودل التشريح على باطنه، وأما سره، فقوى روحه" (رسالة فصوص الحكم، ص 30).
ويرى الفلاسفة أن الإنسان هو المعنى القائم بهذا البدن، ولا مدخل للبدن في مسمّاه، وليس المشار إليه بـ "أنا" هذا الهيكل المخصوص، بل الإنسانية المقومة لهذا الهيكل، فالإنسان إذن شيء مغاير لجملة أجزاء البدن. ولكن جمهور المتكلمين يرون أن الإنسان عبارة عن هذه البنية المخصوصة المحسوسة، وعن هذا الهيكل المجسم المحسوس، فإذا قال: أنا أكلت، وشربت، ومرضت، وخرجت، ودخلت، وأمثالها، فإنما يريد بذلك البدن، وعبارة الأشعري: إن الإنسان هو هذه الجملة المصورة ذات الأبعاض والصور. والحق أن الإنسان مؤلف من هذه الجملة الحسية المصورة، ومن تلك الجملة النفسية المؤلّفة من الحالات المتداخلة، كالإنفعال والإحساس والإدراك والتعقل والإرادة، فهو إذن جسم وعقل.
قال الجرجاني في تعريفاته: "الإنسان الكامل هو الجامع لجميع العوالم الإلهية والكونية والجزئية، وهو كتاب جامع للكتب الإلهية والكونية، فمن حيث روحه وعقله كتاب عقلي مسمى بأم الكتاب، ومن حيث قلبه كتاب اللوح المحفوظ ، ومن حيث نفسه كتاب المحو والإثبات ... فنسبة العقل الأول إلى العالم الكبير وحقائقه بعينها نسبة الروح الإنساني إلى البدن وقواه، وان النفس الكلية قلب العالم الكبير، كما ان النفس الناطقة قلب الإنسان، ولذلك يسمى العالم بالإنسان الكبير".
الإنسان الصانع (Homo Faber)
هو الإنسان من جهة ما هو صانع مادياً ومعنوياً، انه يصنع الأشياء ويصنع نفسه، ويقابله الإنسان العاقل.
والإنسان العاقل (Homo Sapiens)
هو الإنسان الذي يتولد من تفكير الإنسان الصانع في صنعه، وهو تفكير ومعرفة وإرادة.
والإنسان الإقتصادي (Homo Oeconomicus)
هو الإنسان الذي يكون سلوكه محدداً بالمصالح الإقتصادية وحدها دون أي دافع عاطفي أو أخلاقي أو ديني.
الإنسانية
(في الإنكيزية Humanity, Mankind, Humaneness في اللاتينية Humanitas)
الإنسانية تدل على ما اختص به الإنسان من الصفات، وأكثر استعمال هذا اللفظ في العربية إنما هو للمحامد، نحو الجود والكرم وغيرها.
والإنسانية عند الفلاسفة القدماء هي المعنى الكلي المجرد الدال على ما تتقوم به ماهية الإنسان. والدليل على ذلك قول ابن سينا: "مثل الإنسانية، فإنها في نفسها حقيقة ما، وماهية، ليس أنها موجودة في الأعيان، أو موجودة في الأذهان مقوماً لها، بل مضاف إليها، ولو كان مقوماً لها، لاستحال أن يتمثل معناها في النفس، خالياً عما هو جزؤها المقوم" (الإشارات ص 8). والإنسان عندهم لا يبلغ أعلى مراتب الإنسانية إلا بإخراج ما في قوته إلى الفعل حتى يصبح إنساناً كاملاً. قال صاحب الرسالة الجامعة: "ولذلك قال الحكيم انه من كان للعلم ألزم، وعليه أحرص وأدوم وفيه أرغب، فهو إلى كمال الإنسانية أقرب" (الرسالة الجامعة، الجزء الأول، ص 92). وقال أبوحيان التوحيدي: "الإنسانية أفق، والإنسان متحرك إلى أفقه بالطبع، ودائر على مركزه، إلا أنه مرموق بطبيعته، ملحوظ بأخلاق بهيمية. ومن رفع عصاه عن نفسه، وألقى حبله، وسيّب هواه في مرعاه، ولم يضبط نفسه عما تدعو إليه بطبعه، وكان لين العريكة لاتباع الشهوات الردية، فقد خرج عن أفقه وصار إلى أرذل من البهيمية لسوء إيثاره" (المقابسات ص 137، المقابسة 37).
وللإنسانية في الفلسفة الحديثة ثلاثة معان:
الإنسانية هي المعنى الكلّي الدال على الخصائص المشتركة بين جميع الناس، كالحياة والحيوانية والنطق وغيرها. وهذا المعنى شبيه بالمعنى القديم الذي نجده عند فلاسفة العرب.
الإنسانية هي مجموع خصائص الجنس البشري المقومة لفصله النوعي التي تميزه عن غيره من الأنواع القريبة. مثال ذلك قول (أوغوست كومت): "ان المثال الأساسي للتطور الإنساني فردياً كان أو جماعياً يقوم في علم الإجتماع الوضعي على تغلب إنسانيتنا على حيوانيتنا"
(Auguste Comte, Cours de philosophie Positive, 59e lecon, ad finem, 4e edition, VI, 721)
(راجع أيضاً لالاند Lalande, Vocabulaire, art. Humanite)
مجموع أفراد النوع الإنساني من حيث أنهم يؤلفون موجوداً جماعياً، قال (أوغوست كومت): "ان الفلسفة العامة المستنتجة من الدراسات الوضعية تعد الإنسان –أو الإنسانية- أول الكائنات المعلومة". وهو يقيد هذا اللفظ أحياناً، فيطلقه على مجموع أفراد الجنس البشري الذين أسهموا في تنمية الصفات الإنسانية إسهاماً فعلياً. وهذا المعنى الأخير هو المعنى المقصود بقوله: الإنسانية هي الموجود الأعظم.
الأخلاق
(في الإنكليزية Moral, Ethics في اللاتينية Moralis)
الأخلاق في اللغة جمع خلق، وهو العادة، والسجيّة، والطبع، والمروءة، والدين. وعند القدماء ملكة تصدر بها الأفعال عن النفس من غير تقدّم رويّة وفكر وتكلف. فغير الراسخ من صفات النفس لا يكون خلقاً، كغضب الحكيم، وكذلك الراسخ الذي تصدر عنه الأفعال بعسر وتأمل، كالبخيل إذا حاول الكرم.
وقد يطلق لفظ الأخلاق على جميع الأفعال الصادرة عن النفس محمودة كانت أو مذمومة، فتقول فلانٌ كريم الأخلاق، أو سيء الأخلاق. وإذا أطلق على الأفعال المحمودة فقط دلّ على الأدب، لأن الأدب لا يطلق إلا على المحمود من الخصال. فإذا قلت: أدب القاضي أردت به ما ينبغي للقاضي أن يغعله، وكذلك اذا قلت: آداب الوزراء، والكتّاب، والمعلمين، والمتعلمين. وفي كتابي الأدب الكبير والأدب الصغير لابن المقفع، وكتاب أدب الدنيا والدين للماوردي أمثلة كثيرة تفسر هذا المعنى.
والفرق بين الأدب والتعليم أن الأدب يتعلق بالعادات، والتعليم بالشرعيات، الأول عرفي دنيوي، والثاني شرعي ديني. وقد يطلق الأدب على السنّة أو على الورع وصيانة النفس. وله عند العرب عدة مصادر، وهي الشعر الجاهلي، والقرآن، والحديث، والسيَر، وهو متقدم على علم الأخلاق المشتمل على الكثير من العناصر اليونانية والفارسية والهندية.
ويسمّى علم الأخلاق (La Morale) بعلم السلوك، أو تهذيب الأخلاق، أو فلسفة الأخلاق (Ethique)، أو الحكمة العملية، أو الحكمة الخلقية. والمقصود به معرفة الفضائل وكيفية اقتنائها لتزكو بها النفس، ومعرفة الرذائل لتتنزه عنها النفس (راجع كتاب تهذيب الأخلاق لمسكويه). ولمعرفة ما يجب على الإنسان فعله لبلوغ السعادة تكلم الفلاسفة على طبيعة الوجدان والضمير وطبيعة الخير والعدل والواجب والمحبة، وبنوا جميع المفاهيم الخلقية التي تصوروها على الأسس المستمدة من مبادئهم الفلسفية العامة. ونحن نطلق اليوم لفظ الأخلاق على المعاني التالية:
الأخلاق النسبية: وهي مجموع قواعد السلوك المقررة في زمان معين لمجتمع معين. تقول: أخلاق العرب، وأخلاق الفرس، وأخلاق الروم. فلكل شعب أخلاقه المتفقة مع شروط وجوده، ولا يمكنك أن تحمله على أخلاق غير أخلاقه دون تعريض نظام حياته للإضطراب والفساد (Durkheim, Division du travail social II ch. 1. p. 262).
الأخلاق المطلقة: وهي مجموع قواعد السلوك الثابتة التي تصلح لكل زمان ومكان. ويسمّى العلم الذي يبحث في هذه الأخلاق بفلسفة الأخلاق، وهي الحكمة العملية التي تفسر معنى الخير والشر، وتنقسم إلى قسمين: أحدهما عام مشتمل على مبادئ السلوك الكلية، والآخر خاص مشتمل على تطبيق هذه المبادئ في مختلف نواحي الحياة الإنسانية. وجماع ذلك كله تحديد ما يجب أن يكون، لا وصف ما هو كائن في الواقع.
الأخلاق النهائية والأخلاق المؤقتة: لقد فرق (ديكارت) في كتابه (مقالة الطريقة) بين الأخلاق النظرية أو النهائية المبنية على المبادئ الفلسفية، وبين الأخلاق المؤقتة (Provisoire) المشتملة على بعض القواعد العملية التي تصلح للحياة في مجتمع معين. وقريب من ذلك أيضاً قول (لفي بروهل) ان التقدم الأخلاقي لا يدلّ على تقدم النظريات الأخلاقية، بل يدل على مطابقة السلوك العملي لقواعد الأخلاق في حياة إنسانية أفضل.
أخلاق المواقف (Morale de situation): هي الأخلاق المبنية على تحديد المعطيات المعقدة الخاصة بكل حالة من حالات الحياة، لا الأخلاق المستنبطة من القوانين العامة.
والأخلاق الساكنة (statique) أو المغلقة (close) عند (هنري برغسون) مقابلة للأخلاق الحراكية (Dynamique) أو المتفتحة (ouverte) (H. Bergson, Les deux sources. P 286) وإلى جانب لفظ الأخلاق ثلاثة ألفاظ أخرى لا بد من الإشارة إليها هنا، وهي:
1- الأخلاقي (Moral) وهو المنسوب إلى الأخلاق أو إلى قواعد السلوك المقررة في زمان معين، مثال ذلك قول (دوركهايم): الحادث الأخلاقي لا يكون سوياً في مجتمع معين إلا إذا كان شائعاً في العدد المتوسط من المجتمعات الأخرى التي هي من نوع ذلك المجتمع. تقول بهذا المعنى: الحقيقة الأخلاقية، والواقع الأخلاقي (Realite Morale) والحس الأخلاقي (Sens Moral). والأخلاقي أيضاً هو المتعلق بالحكمة الخلقية. والأخلاقي أخيراً مقابلٌ للاّ أخلاقي (Immoral)، ويطلق على الأفعال الحميدة المطابقة للأخلاق أو لقواعد السلوك العملية. ويطلق الأخلاقي (Moral) في اللغة الفرنسية على العملي (Pratique) أو على المعنوي وهو المتعلق بالنفس لا بالبدن. تقول: الثروة الأخلاقية، والعلوم الأخلاقية أي المعنوية.
وفرقوا بين الأمر الأخلاقي، والأمر الذي هو بمعزل عن الأخلاق (Amoral)، كسلوك الحيوان، فهو سلوك محايد لا يوصف بالأخلاقي ولا باللا أخلاقي، لأن هاتين الصفتين تقتضيان تصوّر الفعل والقصد إليه، أو البعد عنه، وليس ذلك شأن الحيوان.
فائدة – اذا أضفت لفظ الأخلاق إلى لفظ آخر، دلّ على مجموع قواعد السلوك المتعلقة بالشيء الذي يدلّ عليه ذلك اللفظ، تقول: أخلاق المنفعة، وأخلاق اللذة، وأخلاق الواجب، وكذلك اذا نسبته الى جماعة معينة، دلّ على قواعد السلوك الخاصة بتلك الجماعة، تقول: الأخلاق الإسلامية، والأخلاق المسيحية، والأخلاق المهنية، والأخلاق الرواقية والأخلاق الإشتراكية.
2- المذهبية الأخلاقية (Moralisme)، هي النظرية التي تقرر أن للأخلاق قيمة مطلقة. مثال ذلك: ان مبدأ الفلسفة الأعلى عند (فيخته) هو قانون العمل، لا قانون الوجود، فإذا صح هذا القول، لزم عنه عدة نتائج، وهي:
أنّ لمبادئ الأخلاق قيمة مطلقة، وهي الأصل الذي ترجع إليه جميع القيم الإنسانية.
أنّ علم الأخلاق مستقل عن علم ما بعد الطبيعة، على حين أن علم ما بعد الطبيعة تابع لعلم الأخلاق.
أنّ ما يجب على الإنسان لنفسه ولأبناء جنسه متقدم على ما سواه.
أنّ بحث المرء عن خيره الذاتي متقدم على بحثه عن الخير الموضوعي.
3- وتطلق الأخلاقية (Moralite) من جهة ما هي صفة، على الأمر الذي يتضمن معنى الخير والشر، بخلاف الأمر الذي هو بمعزل عن الأخلاق. وهي إيجابية أو سلبية، فالإيجابية تتعلق بالأفعال الحميدة، والسلبية تتعلق بالأفعال المذمومة. وإذا أطلقت لفظ الأخلاقية على مبادئ السلوك دلّ على القيم المطابقة للمثل الأعلى الأخلاقي. وإذا أطلقته على السلوك العملي دلّ على مطابقة هذا السلوك لمبادئ الأخلاق (راجع دائرة المعارف، المجلد 7، بيروت 1967).
تبكيت الضمير
(في الإنكليزية Remorse وهو مشتق من اللفظ اللاتيني mordere ومعناه عض)
تبكيت الضمير ألم نفساني شديد يقضّ مضجع الإنسان لشعوره بأنه أساء عملاً، ولذلك قال (بيار جانه): تبكيت الضمير ألم محرق يعضّ المرء بنابه عند شعوره بارتكاب الإثم. والفرق بين تبكيت الضمير والندم (Repentir) أن أثر الإرادة في الندم أقوى من أثرها في تبكيت الضمير، وأن الإنفعال في تبكيت الضمير أشد مما هو عليه في الندم، وأن للندم معنى خلقياً ودينياً لا يتضمنه تبكيت الضمير. فالندم حزن واعتبار، وتبكيت الضمير قلق وعذاب، والندم فضيلة وتوبة، وتبكيت الضمير عتاب وشقاء.
والفرق بين تبكيت الضمير والأسف (Regret) أن الأسف لا يتضمن لوم النفس على ما فات، وإنْ تضمن استنكار الفعل واستقباحه، تقول: يا أسفي على ما حدث توجعاً وتحسراً، ولكنك لا تعد نفسك مسؤولاً عنه، ولا مستحقاً للتوبيخ واللوم عليه. وإذا كان لإرادتك أثر في حدوث مثل هذا الفعل برّأت نفسك من المسؤولية بقولك: ان نيتك كانت صادقة، فما بالك اذا كان حدوث الفعل غير تابع لإرادتك. أما تبكيت الضمير فإنه لا يخلو من التوبيخ واللوم، لأنه كما قلنا ألم نفساني شديد، ناشئ عن الشعور بارتكاب الإثم.
تحصيل الحاصل
(في الإنكليزية Tautology، في اللاتينية Toutologia)
التحصيل في اللغة الجمع، وفي العرف العام جمع العلم، والحاصل إسم فاعل من الحصول، وهو ما يحصل بالفعل. فمعنى تحصيل الحاصل إذن جمع ما هو حاصل في الذهن، وليس في هذا الجمع علم جديد يضاف إلى العلم القديم، ومنه قولهم: تفسير الماء بالماء.
ويطلق اصطلاح تحصيل الحاصل على القضية التي يكون موضوعها ومحمولها شيئاً واحداً، كقولنا: الإنسان إنسان، وما هو هو، و ب = ب . ويطلق هذا الإصطلاح أيضاً على المغالطة التي تحاول البرهنة على صدق القول بتكرار مضمونه بألفاظ أخرى غير ألفاظه. ومبدأ تحصيل الحاصل هو المبدأ الذي يوجب أن يكون للفظ المستعمل في التفسير معنى واحد لا يتغير.
وقانون تحصيل الحاصل (Loi de Tautologie) هو القانون التالي: ب x ب = ب ، ب + ب = ب ومعناه أن مجموع الحدود المتساوية أو حاصل ضربها في نفسها مساوٍ لحدٍ واحدٍ منها. (راجع: Couturat, L'algebre de la logique)
الحسد والغيرة
(في الإنكليزية Envy, Jealosy، في اللاتينية Invidia, Zelus)
الحسد أن يرى الرجل لأخيه نعمة، فيتمنى أن تزول عنه وتكون له دونه، وحقيقته شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل، وهو غير الغبط ، لأن الغبط أن يتمنى الرجل أن يكون له نعمة مثل أخيه ولا يتمنى زوالها عنه، وغير المنافسة، لأن المنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم. والحسد مصروف إلى الضرر. والفرق بين الحسد والغيرة (Jalosie) أن الغيرة حالة إنفعالية تدفع المرء إلى منع غيره من مشاركته في محبوبه، تقول غار الرجل على امرأته، أي ثارت نفسه لإبدائها زينتها ومحاسنها لغيره، ولانصرافها عنه إلى آخر، وللحسد درجتان: إحداهما أن يتولى زوال النعمة عن أخيه من غير أن تصير تلك النعمة له، والثانية أن يتمنى زوال نعمة المحسود وتحولها إليه.
ومن دواعي الحسد الحزن والأسى على الخيرات تكون لغيرنا من الناس، فنبغضهم، ونخاف أن يؤدي استمتاعهم بتلك الخيرات إلى سلبها عنا، أو نيأس من أن يتأتى لنا منها حظ كحظهم. واعلم أنه بحسب فضل الإنسان وجماله وكماله وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له. فإن كثر فضله كثر حساده، وإن قلّ قلوا، لأن ظهور الفضل يثير الحسد وحدوث النعمة يضاعف الكمد.
قال أبو تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ
طويت أتاح لها لسان حسود.
(راجع: أدب الدنيا والدين للماوردي، ص 233).
الرضى والرضاء
(في الإنكليزية Assent, Consent)
الرضى كمال إرادة وجود الشيء. والفرق بين الرضى والرضاء أن الرضى هو المرضاة، والرضاء هو المراضاة. والرضى أخص من الإرادة. وهو قسمان: قسم يكون لكل مكلف، وهو ما لا بد منه في الإيمان، وحقيقته قبول ما يرد من الله من غير اعتراض على حكمه وتقديره. وقسم لا يكون إلا لأرباب المقامات، وحقيقته ابتهاج القلب وسروره بالمقضي.
والرضى فوق التوكل لأنه مرادف للمحبة. والرضوان بمعنى الرضى. والرضاء عند المعتزلة هو الإرادة، وعند الأشاعرة ترك الإعتراض على ما قدره الله. و الرضاء هو القبول والتسليم، تقول: رضيه ورضي به: اختاره وقبله، وله درجات أدناها الظن وأعلاها اليقين. قال (مالبرانش): ينبغي للمرء أن يسلم بالقول الذي يجده صحيحاً. لأنه إذا ثبتت له صحة القول، وامتنع عن التصديق به، شعر بقلق النفس وملامة العقل.
والرضاء هو المصادقة والموافقة، ومنه قولهم الرضاء العام، أو الرضاء الكلي بمعنى الإجماع والإتفاق. والرضاء أيضاً الموافقة على أمر أراده غيرك من غير اعتراض عليه، كموافقة الوالد على زواج ولده، تقول: رضي الزواج له، أي رآه أهلاً له فوافق عليه. ومع ذلك فالرضاء أضعف من الإرادة والقرار والتصديق، لأن المرء قد يرضى بالشيء المكروه تسليماً لا حباً وإرادة، كمن أصابته مصيبة فيرضى بما قدر له، ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
منقــــول ....
وسلامتكم ،،،
المصدر: المعجم الفلسفي