عاشق البادية
19-12-2004, 03:33 PM
لماذا يرتكب الأشخاص الطيبين أفعالاً سيئة؟
لـ: جون ماريوتي
من الصعب أن تفتح الجريدة هذه الأيام دون أن تقرأ خبراً عن رجل أعمالٍ نصب أو مدير هرب أو مستثمر تهرب، أو شركة زيّفت حساباتها وزوّرت دفاترها. وهناك قصصٌ لا يتم الكشف عنها، يتعلق معظمها بإساءة استخدام السلطة داخل المؤسسات نفسها.
الطريف أن جرائم المسؤولين ومخالفاتهم لأخلاقيات العمل تحدث في الدول المتقدمة والدول النامية لأسباب متناقضة تماماً. يرتكب المسؤولون الأمريكيون جرائمهم لتضخيم أصول ومبيعات وأرباح شركاتهم ولرفع أسعار أسهمها وتحقيق مكاسب شخصية.
بالمقابل، يلجأ المديرون أو أصحاب الشركات العائلية في الدول النامية إلى تخفيض أرباح مؤسساتهم للتهرب من الضرائب. في حين يهرب بعض المستثمرين تاركين مصائبهم خلفهم بعدما تحقق مشروعاتهم خسائر فادحة ويتورطون في ديون متراكمة لا يستطيعون الوفاء بها.
ورغم الإختلاف الظاهري في الدوافع والنتائج، إلا أن السلوكين مترابطين ومتشابهين. ففي الحالتين يقع المسؤولون ضحية الضغوط لتحقيق أهداف مالية أو شخصية، فيرتكب الرجال الأذكياء جرائم غبية.
ليس السبب الحقيقي هو أن المسؤولين أو رجال الأعمال سيئون. هناك فقط جيل جديد من المسؤولين تعلّم قيم الأعمال والإدارة الخاطئة، واقتدى بنماذج قيادية سلبية حققت نجاحات مالية سريعة ومؤقتة في غفلة من الزمن، فركب الموجة ومارس إدارته من منظور: "الغاية تبرر الوسيلة". والحقيقة أن الغاية لا تبرر الوسيلة إلا إذا كانت الغاية نبيلة.
"مهما يكن عمل الشيء الصحيح صعباً، فإن الأصعب هو أن تعرف الشيء الصحيح ولا تفعله"
فما الذي يدفع الناس لارتكاب جرائم أو أشباه جرائم؟
تأمل الأسباب التالية والتي استنتجناها من خلال ما لاحظناه من سلوكيات ومحاكمات وتبريرات. الأهم من تحليل جرائم الآخرين، هو أن نسمو بقيمنا ونظرتنا العليا للحياة، وأن نزيد حساسيتنا تجاه ما يجوز وما لا يجوز، ولسان حالنا يقول دائماً: "النجاح بأي ثمن .. هو قمة الفشل، وأعظم المحن".
التبرير الأول: كنت مضطراً لذلك
التبرير الشائع الذي يسوقه الناس المخطئون هو: "لم يكن أمامي خيار". ونقول لهم: "هناك دائماً خيار". ففي ظروف الركود والمنافسة الشرسة واحتمالات فقد المسؤولين لوظائفهم والمستثمرين لمشروعاتهم، تصبح كل الخيارات سيئة ما عدا (الخيار الصحيح).
أسهل الحلول لأصعب المشكلات هو الهروب أو التنصل من المسؤولية. فعندما يقول المسؤول: "الشيطان خدعني" أو "رئيسي أجبرني" أو "سوق الأسهم أغراني" أو "مجلس الإدارة قهرني" فإنه يتنصل من المسؤولية ويخلط بين الحرية الخارجية والحرية الداخلية. أمام كل منا خيارات لا نهائية. إختياراتنا تنبع من أفكارنا. وأفكارنا تنبع من قيمنا.
"نعم .. الغاية تبرر الوسيلة .. بشرط أن تكون الغاية نبيلة"
التبرير الثاني: تجنب الصراع والمواجهات
تجنب الصراع هو تجنب مواجهة الحقيقة. هناك شركات تخضع المديرين لضغوط رهيبة لتحقيق النتائج بأي ثمن. ودائماً يكون المعارضون – أو بمعنى أصح – الملتزمون أصحاب الأخلاق الذين يطلقون صفارات الإنذار هم الضحايا. ومع ذلك، بإمكانك أن تعارض أي سلوك خاطئ، وأن تفقد وظيفتك وأن يسميك فريقك "رجل المشاكل" أو "المعارض الدائم" على أن تفقد نفسك وشخصيتك وتضحي بمستقبلك البعيد، من أجل الربح السريع.
التبرير الثالث: الإستسلام للعواطف والتشابه
من المعروف أن أصدقاءنا ومعارفنا يشكلون سلوكنا. تعيين الأصدقاء وأهل الثقة بدلاً من أهل الخبرة يؤدي في النهاية إلى تشابه السلوكيات والقرارات بسبب ضغوط العلاقات. تحوّل علاقات العمل إلى صداقات حميمة من أخطر السلوكيات في إدارة المؤسسات. وأخطرها على الإطلاق ظاهرة التفريخ والإستنساخ وتعيين المديرين والتنفيذيين لأبنائهم في نفس مؤسساتهم.
هذا لا يعني أن لا نعيّن أصدقاءنا. بل يعني أن هذا السلوك الإداري قد يؤدي إلى عواقب تختلف عن المرغوب فيه. أي يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة أو مطلوبة.
خطوط الدفاع عن الكرامة الإدارية
تذكر كلمة: CHIP
وهي الرقاقة أو الرقائق الإلكترونية الداخلية التي تشكل الدوائر الذكية في الأجهزة الرقمية. دائرتنا الرقمية الداخلية هي شخصيتنا الداخلية. وهي خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان وإسمه وسمعته.
تتكون هذه الرقائق من أربعة عناصر هي:
• الشخصية الجوهرية أو الذات النبيلة Essential or Noble Character
وهي مزيج من القيم والسلوك الذي يدفع الإنسان في الإتجاه الصحيح لأداء الفعل الصحيح. فعندما تمتزج القيم بالسلوك السوي تكون النتيجة، نزاهة وأمانة وكمال.
• الأمانة Honesty
وهي أن تقول ما تفعل وتفعل ما تقول. وهي إسقاط لكل الأقنعة التي تغلف شخصيتنا الخارجية. حضور الأمانة ضمن مكونات الشخصية هو الذي يجعلنا نتوقف أمام الإشارة الحمراء سواء كان الشارع مزدحماً أو خالياً من المارة. هي فعل الشيء الصحيح عندما نخلو بأنفسنا وعندما نعمل ضمن فريق.
• الشهامة Integrity
الشهامة مثل العذرية. فإما أن تكون الفتاة عذراء أو غير عذراء، دون بديل ثالث. هي إلغاء المنطقة الرمادية من الشخصية. فإما أن تكون إيجابياً أو سلبياً، من أهل اليمين أو أهل الشمال، تسمو إلى أعلى أو تنحدر إلى أسفل، تتقدم أو تتأخر. وإما أن تكون صفحتك بيضاء أو سوداء. ومن الواضح أنك – في البدائل السابقة – لن تحتار في الإختيار.
• المبادئ Principles
هي القيم المطلقة التي لا نستطيع مخالفتها. وهي الحقائق الراسخة التي لا نستطيع تغييرها. فعندما نخالف المبادئ فإننا نضير أنفسنا وتبقى هي على نقائها وتكاملها ونصاعتها. فعندما يكذب أحدنا، فإنه يخالف مبدأ الصدق. وعندما نسأله عن رأيه في الكذب نجده يرفضه. لأن الصدق مبدأ وحقيقة ثابتة غير قابلة للتغيير.
أخيراً .. لا ولاء إلا للنبلاء
عندما تضغط الإدارة على الموظفين ليأتوا أفعالاً مشينة في حق المجتمع وضد أصحاب المصالح والعملاء والزملاء وكل الشركاء، فإنها تصبح إدارة مذنبة. حتى وإن كان كل فردٍ من العاملين فيها شخصاً طيباً أو أميناً. المهم هو أفعال وأعمال الشركة ككل.
الخيار بين يديك. فإما أن تختار الصواب أو العذاب. ويمكنك دائماً أن تختار بحكمة. والحكمة ضالة المؤمن. صحيح أن فعل الشيء الصحيح صعب. ولكن الأصعب أن تعرف الصحيح وتفعل الخطأ.
(منقول بتصرف من دورية: المختار الإداري – ديسمبر 2002)
من كتاب:
Why Good People do Bad Things?
By: John Mariotti
M World
Fall 2002
Pages 3 – 5
لـ: جون ماريوتي
من الصعب أن تفتح الجريدة هذه الأيام دون أن تقرأ خبراً عن رجل أعمالٍ نصب أو مدير هرب أو مستثمر تهرب، أو شركة زيّفت حساباتها وزوّرت دفاترها. وهناك قصصٌ لا يتم الكشف عنها، يتعلق معظمها بإساءة استخدام السلطة داخل المؤسسات نفسها.
الطريف أن جرائم المسؤولين ومخالفاتهم لأخلاقيات العمل تحدث في الدول المتقدمة والدول النامية لأسباب متناقضة تماماً. يرتكب المسؤولون الأمريكيون جرائمهم لتضخيم أصول ومبيعات وأرباح شركاتهم ولرفع أسعار أسهمها وتحقيق مكاسب شخصية.
بالمقابل، يلجأ المديرون أو أصحاب الشركات العائلية في الدول النامية إلى تخفيض أرباح مؤسساتهم للتهرب من الضرائب. في حين يهرب بعض المستثمرين تاركين مصائبهم خلفهم بعدما تحقق مشروعاتهم خسائر فادحة ويتورطون في ديون متراكمة لا يستطيعون الوفاء بها.
ورغم الإختلاف الظاهري في الدوافع والنتائج، إلا أن السلوكين مترابطين ومتشابهين. ففي الحالتين يقع المسؤولون ضحية الضغوط لتحقيق أهداف مالية أو شخصية، فيرتكب الرجال الأذكياء جرائم غبية.
ليس السبب الحقيقي هو أن المسؤولين أو رجال الأعمال سيئون. هناك فقط جيل جديد من المسؤولين تعلّم قيم الأعمال والإدارة الخاطئة، واقتدى بنماذج قيادية سلبية حققت نجاحات مالية سريعة ومؤقتة في غفلة من الزمن، فركب الموجة ومارس إدارته من منظور: "الغاية تبرر الوسيلة". والحقيقة أن الغاية لا تبرر الوسيلة إلا إذا كانت الغاية نبيلة.
"مهما يكن عمل الشيء الصحيح صعباً، فإن الأصعب هو أن تعرف الشيء الصحيح ولا تفعله"
فما الذي يدفع الناس لارتكاب جرائم أو أشباه جرائم؟
تأمل الأسباب التالية والتي استنتجناها من خلال ما لاحظناه من سلوكيات ومحاكمات وتبريرات. الأهم من تحليل جرائم الآخرين، هو أن نسمو بقيمنا ونظرتنا العليا للحياة، وأن نزيد حساسيتنا تجاه ما يجوز وما لا يجوز، ولسان حالنا يقول دائماً: "النجاح بأي ثمن .. هو قمة الفشل، وأعظم المحن".
التبرير الأول: كنت مضطراً لذلك
التبرير الشائع الذي يسوقه الناس المخطئون هو: "لم يكن أمامي خيار". ونقول لهم: "هناك دائماً خيار". ففي ظروف الركود والمنافسة الشرسة واحتمالات فقد المسؤولين لوظائفهم والمستثمرين لمشروعاتهم، تصبح كل الخيارات سيئة ما عدا (الخيار الصحيح).
أسهل الحلول لأصعب المشكلات هو الهروب أو التنصل من المسؤولية. فعندما يقول المسؤول: "الشيطان خدعني" أو "رئيسي أجبرني" أو "سوق الأسهم أغراني" أو "مجلس الإدارة قهرني" فإنه يتنصل من المسؤولية ويخلط بين الحرية الخارجية والحرية الداخلية. أمام كل منا خيارات لا نهائية. إختياراتنا تنبع من أفكارنا. وأفكارنا تنبع من قيمنا.
"نعم .. الغاية تبرر الوسيلة .. بشرط أن تكون الغاية نبيلة"
التبرير الثاني: تجنب الصراع والمواجهات
تجنب الصراع هو تجنب مواجهة الحقيقة. هناك شركات تخضع المديرين لضغوط رهيبة لتحقيق النتائج بأي ثمن. ودائماً يكون المعارضون – أو بمعنى أصح – الملتزمون أصحاب الأخلاق الذين يطلقون صفارات الإنذار هم الضحايا. ومع ذلك، بإمكانك أن تعارض أي سلوك خاطئ، وأن تفقد وظيفتك وأن يسميك فريقك "رجل المشاكل" أو "المعارض الدائم" على أن تفقد نفسك وشخصيتك وتضحي بمستقبلك البعيد، من أجل الربح السريع.
التبرير الثالث: الإستسلام للعواطف والتشابه
من المعروف أن أصدقاءنا ومعارفنا يشكلون سلوكنا. تعيين الأصدقاء وأهل الثقة بدلاً من أهل الخبرة يؤدي في النهاية إلى تشابه السلوكيات والقرارات بسبب ضغوط العلاقات. تحوّل علاقات العمل إلى صداقات حميمة من أخطر السلوكيات في إدارة المؤسسات. وأخطرها على الإطلاق ظاهرة التفريخ والإستنساخ وتعيين المديرين والتنفيذيين لأبنائهم في نفس مؤسساتهم.
هذا لا يعني أن لا نعيّن أصدقاءنا. بل يعني أن هذا السلوك الإداري قد يؤدي إلى عواقب تختلف عن المرغوب فيه. أي يؤدي إلى نتائج غير مرغوبة أو مطلوبة.
خطوط الدفاع عن الكرامة الإدارية
تذكر كلمة: CHIP
وهي الرقاقة أو الرقائق الإلكترونية الداخلية التي تشكل الدوائر الذكية في الأجهزة الرقمية. دائرتنا الرقمية الداخلية هي شخصيتنا الداخلية. وهي خط الدفاع الأول عن كرامة الإنسان وإسمه وسمعته.
تتكون هذه الرقائق من أربعة عناصر هي:
• الشخصية الجوهرية أو الذات النبيلة Essential or Noble Character
وهي مزيج من القيم والسلوك الذي يدفع الإنسان في الإتجاه الصحيح لأداء الفعل الصحيح. فعندما تمتزج القيم بالسلوك السوي تكون النتيجة، نزاهة وأمانة وكمال.
• الأمانة Honesty
وهي أن تقول ما تفعل وتفعل ما تقول. وهي إسقاط لكل الأقنعة التي تغلف شخصيتنا الخارجية. حضور الأمانة ضمن مكونات الشخصية هو الذي يجعلنا نتوقف أمام الإشارة الحمراء سواء كان الشارع مزدحماً أو خالياً من المارة. هي فعل الشيء الصحيح عندما نخلو بأنفسنا وعندما نعمل ضمن فريق.
• الشهامة Integrity
الشهامة مثل العذرية. فإما أن تكون الفتاة عذراء أو غير عذراء، دون بديل ثالث. هي إلغاء المنطقة الرمادية من الشخصية. فإما أن تكون إيجابياً أو سلبياً، من أهل اليمين أو أهل الشمال، تسمو إلى أعلى أو تنحدر إلى أسفل، تتقدم أو تتأخر. وإما أن تكون صفحتك بيضاء أو سوداء. ومن الواضح أنك – في البدائل السابقة – لن تحتار في الإختيار.
• المبادئ Principles
هي القيم المطلقة التي لا نستطيع مخالفتها. وهي الحقائق الراسخة التي لا نستطيع تغييرها. فعندما نخالف المبادئ فإننا نضير أنفسنا وتبقى هي على نقائها وتكاملها ونصاعتها. فعندما يكذب أحدنا، فإنه يخالف مبدأ الصدق. وعندما نسأله عن رأيه في الكذب نجده يرفضه. لأن الصدق مبدأ وحقيقة ثابتة غير قابلة للتغيير.
أخيراً .. لا ولاء إلا للنبلاء
عندما تضغط الإدارة على الموظفين ليأتوا أفعالاً مشينة في حق المجتمع وضد أصحاب المصالح والعملاء والزملاء وكل الشركاء، فإنها تصبح إدارة مذنبة. حتى وإن كان كل فردٍ من العاملين فيها شخصاً طيباً أو أميناً. المهم هو أفعال وأعمال الشركة ككل.
الخيار بين يديك. فإما أن تختار الصواب أو العذاب. ويمكنك دائماً أن تختار بحكمة. والحكمة ضالة المؤمن. صحيح أن فعل الشيء الصحيح صعب. ولكن الأصعب أن تعرف الصحيح وتفعل الخطأ.
(منقول بتصرف من دورية: المختار الإداري – ديسمبر 2002)
من كتاب:
Why Good People do Bad Things?
By: John Mariotti
M World
Fall 2002
Pages 3 – 5